|
بسم الله
الرحمن الرحيم
الجلسة
الرابعة
يظـّن بعض
الناس أن العصمة بالنسبة إلى الرسول والأئمة الهداة
المهديين تعني أنهم مُجبرون على الطاعة فلا يمكن أن تصدر
منهم المعصية، وبناءا ً على ذلك فلا يوجب ذلك مزيّة ولا
فخرا ً لهم. لذا قال القائل منهم: لو كان الله قد خلقني
مثلهم لم أكن قادرا ً على أن أعصي وكنت أعتبر معصوما ً
أيضا ً.
إن نظرة
بسيطة تكفي لردّ هذا الزعم، فإن العقلاء على اختلاف
دياناتهم وعقائدهم وأصولهم – لا يمدحون الأخرس بعدم الكذب،
ولا الأعمى بعدم النظر إلى الأجنبية، لأن كلا ً من هذين لا
يملك الاختيار في النطق أو البصر حتى يُعرف أن عدم صدور
الكذب من الأول والنظر إلى الأجنبية من الثاني مستند إلى
الطاعة، وإنما يمدحون الشخص الذي يقدر على أن يكذب ولكن لا
يكذب، ويستطيع أن يعصي الله جل وعلا ولا يعصي مهما كانت
المكافأة على المعصية.
وهنا تتجلى عظمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حيث
يقول: (والله لو أُعطيت ُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها،
على أن أعصي الله في نملة ٍ أسلبها جُلبَ شعيرة ٍ ما
فعلتُه[1]).
الآيات
القرآنية التي تبين اختيار الأنبياء في الطاعة:
وإذا
استقرأنا الآيات القرآنية التي وجهّت إلى نبينّا الكريم
(ص)، وسائر الأنبياء عليهم السلام بلهجة الأمر، أو التهديد،
أو التحذير عرفنا أن كل تلك الأوامر تصح عندما يكون النبي
مختارا ً وقادرا ً على المعصية فلا يعصي، فمن الواضح أنهم
لو كانوا لا يملكون إرادة ً ولا اختيارا ً كان التهديد أو
التحذير عبثا ً ولغوا ً، بالضبط كما يكون تهديد الأخرس
بعدم الكذب لغوا ً وعبثا ً، وكما يكون امتداح المغناطيس في
جذب الفلزات نحوه أمرا ً لا معنى له.
1- قال
تعالى:(وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ
وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ
الظَّالِمِينَ[2])، تدل الآية بوضوح على أن المخاطب -هو
رسول الله- يملك الاختيار الكامل في أفعاله، وإلا فلا معنى
لمخاطبته بـ(فإن فعلت...)
2- قال
سبحانه عز من قائل: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ
مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ
بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ
السُّجُودِ[3]) وإذا لم يكن بالإمكان مطلقا ً أن يشرك
إبراهيم بربّه شيئا ً، فأي معنى لنهيه عن ذلك؟ فالآية تدّل
على أنه مختار في اختيار التوحيد الكامل، والابتعاد عن
الشرك ولذا صحّ أن يتوجه النهي إليه.
3- ومن أعظم
الدلائل القرآنية على إمكان افتراض المعصية من رسول الله(ص)
هذا التهديد الحاسم في قوله تعالى( وَلَوْ تَقَوَّلَ
عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ
بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا
مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ[4] )، هل رأيتم
قائدا ً يهدّد نفسه، ويعرّض ذاته لمسائلة ثقيلة كهذه؟
فالآية تفترض _ ولو على سبيل الإمكان ذاتا ً والاستحالة
وقوعا ً_ أن يصدر التزوير والاختلاق من النبي – والعياذ
بالله – لتثبت أن الرسول الأعظم التزم بالأمانة والدقة في
الوحي باختياره. ولو كان فاقدا ً للإرادة والاختيار في هذا
السلوك، لم يكن معنى لذلك التهديد.
4- ونفس
الشيء ُيقال عن قوله تعالى (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ
لِتَعْجَلَ بِهِ، إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ،فإِذَا
قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ[5])، فإذا كان الرسول
كالشريط المسجّل لا يملك اختيارا ً في إبلاغ المسلمين
بالوحي النازل على قلبه الشريف، أي معنى يبقى لهذا النهي؟
5- قال
تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[6]) فالأنبياء كلّهم
حُذروا من الشرك وكيف يستقيم هذا التحذير مع فقد الاختيار
من قبلهم؟
هذا المعنى
أكّد عليه الشيخ الصدوق في الكتاب المعروف بـ(عقائد الصدوق)،
وشرحه الشيخ المفيد في (تصحيح الاعتقاد) وجاء العلماء من
بعدهما ليستندوا إلى الأدلة القرآنية التي تلوناها عليكم
في امتناع الأنبياء والأئمة عن المعصية باختيارهم وإرادتهم،
لكن يأتي دور أحد الباحثين المعاصرين ليقول: (ما المانع من
اختيار الله بعض عباده ليكونوا معصومين باعتبار حاجة الناس
إليهم في ذلك، وما هي المشكلة في ذلك انطلاقا ً من مصلحة
عباده، وإذا كان هناك إشكال من ناحية استحقاقهم الثواب على
أعمالهم إذا لم تكن اختيارية لهم، فإن الجواب عليه هو أن
الثواب إذا كان بالتفضل في جعل الحق للإنسان به على الطاعة
لا بالاستحقاق الذاتي فلماذا لا يكون التفضل بشكل مباشر إذ
لا قبح في الثواب على ما لا يكون بالاختيار بل القبح في
العقاب على غير المقدور).
وخلاصة هذا
الكلام أنه إذا كان الله يثيب عباده تفّضلا ً منه تعالى
ولا يوجد هناك استحقاق ذاتي للمطيع فلا مشكلة في أن يكون
العبد فاقدا ً للاختيار حين لا يعصي.
وأهم إشكال ٍ على هذا الكلام هو أن الله جعل الأنبياء
والأئمة مشاعل للهداية، والفكرة القرآنية قائمة أساسا ًعلى
أنهم القدوة الصالحة، والأسوة الحسنة، وعلى هذا الأساس
أمرنا باطاعة الرسول في قوله تعالى (مَّنْ يُطِعِ
الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ[7] )، وقوله سبحانه (أُوْلَئِكَ
الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [8])،
وقوله تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [9])، وإذا كان الأمر كذلك كان الأنبياء
والأئمة المثل الأعلى لجميع الناس يهتدي ويقتدي بهم كل فردٍ
من أفراد الأمة حتى الذي حاز مراتب عالية من التقوى
والتزكية والتهذيب، فلو كان هؤلاء القادة غير مختارين في
الامتناع عن المعصية، والابتعاد عن المحرمّات تفرغ
التعاليم القرآنية عن محتواها، وتبقى التزكية أمورا ً
مثالية تدعو إلى نظريات غير قابلة للتطبيق، ولا أدري إذا
كان صاحب الكلام السابق يرضى بمثل هذه النتيجة التي تضع
علامة استفهام كبرى على قابلية الدين الإسلامي للتغيير في
المجتمعات...
إن
الأنبياء والأئمة سلكوا طريق التكامل الإنساني إلى آخر
المطاف، ثم عادوا يأخذون بأيدينا، كلّ واحد حسب استعداده،
ومقدار الجهد الذي يبذله في نيل ذلك الرقي والكمال.
تطبيقات من سلوك المعصومين (عليهم السلام):
1- أخرج
السيوطي في (الدر المنثور) عن ابن مردويه عن علي قال: (لما
نزل على النبي(ص):( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا ً)
قام الليل كله حتى تورمت قدماه فجعل يرفع رجلا ً ويضع رجلا
ً، فهبط عليه جبريل فقال: طه يعني وطي الأرض بقدميك، مَا
أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى[10]).
وفي رواية مشابهة ذكر الكليني في (الكافي)بإسناده عن أبي
بصير عن الإمام الباقر عليه السلام والطبرسي في (الاحتجاج)
عن موسى بن جعفر عن آبائه عن علي عليه السلام.
وذكر
العلامة الطباطبائي ( أن رفع الكلفة والتعب عن رسول الله
(ص)، إنما هو بأن يؤمر بتقليل الصلاة أو بتخفيف القيام لا
بوضع القدمين على الأرض حتى يزيد ذلك في تعبه ويشدد
وجعه[11]).
2- لقد ورد
في سيرة الإمام علي بن أبي طالب أنه كان يخرج إلى خارج
المدينة فيُغشى عليه، ويظن المّار بأنه ميّت فيسرع إلى بيت
فاطمة(ع)، لتخبره بأن ذلك دأبه حيث يقف للعبادة.
3- يروي حفص
بن البختري بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (
مرّ بي أبي ,أنا بالطواف، وأنا حدث، وقد اجتهدت في العبادة،
فرآني وأنا أتصاب عرقا ً، فقال لي يا جعفر يا بني، إن الله
إذا أحبّ عبدا ً أدخله الجنة، ورضي منه اليسير[12]) فإذا
كان الإمام الصادق يفعل ذلك كله من دون اختيار، لم يكن
موضع لحديث والده الإمام الباقر عليه السلام.
وما
أحلى أن نختم حديثنا بهذه الجُمل النورانية:
( أنتم
الصراط الأقوم، وشهداء دار الفناء، وشفعاء دار البقاء،
والرحمة الموصولة، والآية المخزونة، والأمانة المحفوظة،
والباب المبتلى به الناس، من أتاكم نجى، ومن لم يأتكم هلك.
إلى الله تدعون، وعليه تدلّون، وبه تؤمنون، وله تسلّموه،
وبأمره تعملون، وإلى سبيله ترشدون، وبقوله تحكمون).
[1] - نهج البلاغة، الخطبة رقم 224.
[2] - سورة يونس/ آية 106.
[3] - سورة الحج / آية 26.
[4] - سورة الحاقة / الآيات 44-47.
[5] - سورة القيامة / الآيات 16-18.
[6] - سورة الزمر/ الآية 65.
[7] - سورة النساء / آية 80.
[8] - سورة الأنعام / آية 90.
[9] - سورة الأحزاب/ آية21.
[10] - سورة طه/ آية 1
[11] - تفسير الميزان:ج14/ص127.
[12] - وسائل الشيعة:ج1/ ص 108.
|